السيد عباس علي الموسوي
17
شرح نهج البلاغة
- إنهم جيران متقاربون في الديار فهذا القبر لا يفصله عن ذاك إلا بضع خطوات ومع ذلك لا يستأنس بعضهم ببعض على عادة أهل الدنيا . - إنهم أحباء : أهل وأقارب آباء وأبناء كانت تجمعهم المحبة في دار الدنيا ولا ينقطع أحد عن أحد إنهم الآن قد انقطعوا عن زيارة بعضهم فلا أحد يزور أحدا أو يتعارف معه فكل أواصر التعارف التي كانت بينهم قد فنيت واندرست . . . القرابة . . . الرحم . . . الزوجية . . . العشيرة . . . العائلة . . . الآصرة الفكرية كل هذه قد فنيت ولم يعد لها بحساب الأموات وزنا لأن الأحوال تغيّرت والأمور تبدلت . . . وأسباب الإخاء والمودة التي كانت توجب التواصل قد تقطعت . . . . ثم وصفهم : فكلهم وحيد وهم جميع : فكلهم مجتمعون في المقابر ضمن مساحة صغيرة تضم الجميع ولكن في الحقيقة كل واحد وحده لا يلتقى مع غيره ولا يجتمع معه . . . فالصورة موحّدة والحقيقة متفرقة . . . - وبجانب الهجر وهم أخلاء : كل واحد في حالة هجر للآخرين مع أنه حبيب لهم وصديق ورفيق أو كانوا كذلك في دار الدنيا فتحولوا إلى الهجر في القبور . . . - لا يتعارفون لليل صباحا ولا لنهار مساء أيّ الجديدين ظنوا فيه كان عليهم سرمدا . إذا مات الإنسان نهارا لا يعرف لذلك النهار ليلا وذلك لتبدل أحوال الميت وتغيّرها فالحال التي مات عليها يظن أنه سيبقى عليها ولا يطلع عليه غيرها أو يتبدل بها سواها . ثم قال عليه السلام : إن أي الجديدين - الليل والنهار سميا بذلك لتجددهما في كل يوم - رحل فيه الإنسان عن دار الدنيا كان عليه دائما من حيث إن صورة ذلك الوقت الذي مات فيه لو بقيت عندهم لبقيت أبدا من غير أن يزيلها وقت آخر يطرأ عليها أو أنهم عندما يموتون يشعرون بوقت موتهم ولا يشعرون بما يتعقبه من الأوقات فكأن حال موتهم هي التي سيبقون عليها دائما . . . ( شاهدوا من أخطار دارهم أفظع مما خافوا ورأوا من آياتها أعظم مما قدروا فكلتا الغايتين مدت لهم إلى مباءة فاتت مبالغ الخوف والرجاء فلو كانوا ينطقون بها لعيوا بصفة ما شاهدوا وما عاينوا ) كانت توصف لهم تلك الدار الآخرة بشدائدها ومصائبها ومصاعبها وعذابها فكانوا يخافون منها قبل الوصول إليها وقد وصلوا إليها الآن فشاهدوا بأم العين